عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

272

اللباب في علوم الكتاب

فالجواب أن لفظ « النكاح » حقيقة في الوطء مجاز في العقد . لأنّ لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضّمّ ، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد ، فكان حقيقة في الوطء وإنّما سمّي العقد بهذا الاسم ؛ لأنه سبب الوطء ، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أنّ العقيقة : اسم للشّعر الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تسمّى الشاة التي تذبح عند خلق ذلك الشّعر عقيقة [ فكذا هاهنا . هذا على قول من يقول : لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ] « 1 » ومجازه فلا جرم نقول : المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أمّا حكم العقد فإنّه يستفاد « 2 » من دليل آخر ، فأمّا [ من ] « 3 » ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا ، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح حقيقة في الوطء ، وفي العقد معا ، فكان قوله : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نهي عن الوطء وعن العقد معا حملا للفظ على مفهوميه ولو سلمنا أنّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا ، لكن ثبت بالدلائل المذكورة أنّ لفظ النكاح قد استعمل في الوطء تارة ، وفي العقد أخرى ، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل ، فلا بدّ من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما ، وهو معنى الضمّ حتّى يندفع الاشتراك والمجاز ، فإذا كان كذلك كان قوله : « وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ » نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة ، فإنّ النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد ، وعن الوطء معا ، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج بوجوه : الأوّل : لا نسلم أنّ « 4 » النكاح يقع على الوطء ، والوجوه الّتي احتجوا بها معارضة بوجوه : الأول : قوله عليه الصلاة والسلام « النّكاح سنّتي » ولا شك أنّ الوطء من حيث كونه وطئا ليس سنة [ له ] « 5 » وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنّة فلما ثبت أنّ النّكاح سنة ، وثبت أن الوطء ليس بسنة ثبت أنّ النكاح ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « تناكحوا تكاثروا » ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء ، وكذا التمسك بقوله وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [ النور : 32 ] فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] . لا يقال : لما وقع التعارض بين هذه الدّلائل فالترجيح معنا ، وذلك لأنّا لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا ، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : المستفاد . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : أن اسم . ( 5 ) سقط في أ .